محمد بن جرير الطبري

121

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم آتينا موسى الكتاب تماما لنعمنا عنده على الذي أحسن موسى في قيامه بأمرنا ونهينا لان ذلك أظهر معانيه في الكلام ، وأن إيتاء موسى كتابه نعمة من الله عليه ومنة عظيمة ، فأخبر جل ثناؤه أنه أنعم بذلك عليه لما سلف له من صالح عمل وحسن طاعة . ولو كان التأويل على ما قاله ابن زيد كان الكلام : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسنا ، أو : ثم آتي الله موسى الكتاب تماما على الذي أحسن . وفي وصفه جل ثناؤه نفسه بإيتائه الكتاب ثم صرفه الخبر بقوله : أحسن ، إلى غير المخبر عن نفسه بقرب ما بين الخبرين ، الدليل الواضح على أن القول غير القول الذي قاله ابن زيد . وأما ما ذكر عن مجاهد من توجيهه الذي إلى معنى الجميع فلا دليل في الكلام يدل على صحة ما قال من ذلك ، بل ظاهر الكلام بالذي اخترنا من القول أشبه . وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر ، إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معنى به غير ذلك . وأما قوله : وتفصيلا لكل شئ فإنه يعني : وتبيينا لكل شئ من أمر الدين الذي أمروا به . فتأويل الكلام إذن : ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده وأيادينا قبله ، تتم به كرامتنا عليه على إحسانه وطاعته ربه وقيامه بما كلفه من شرائع دينه ، وتبيينا لكل ما لقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم . كما : 11034 - حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وتفصيلا لكل شئ فيه حلاله وحرامه . القول في تأويل قوله تعالى : وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون . يقول تعالى ذكره : آتينا موسى الكتاب تماما وتفصيلا لكل شئ . وهدى يعني بقوله وهدى : تقويما لهم على الطريق المستقيم ، وبيانا لهم سبل الرشاد لئلا يضلوا . ورحمة يقول : ورحمة منا بهم ، ورأفة ، لننجيهم من الضلالة وعمى الحيرة . وأما قوله : لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون فإنه يعني : إيتائي موسى الكتاب تماما لكرامة الله موسى على إحسان موسى ، وتفصيلا لشرائع دينه ، وهدى لمن اتبعه ورحمة لمن كان منهم ضالا ، لينجيه الله به من الضلالة ، وليؤمن بلقاء ربه إذا سمع مواعظ الله التي وعظ